السيد كمال الحيدري
82
مراتب السير والسلوك إلى الله
ويعني هذا أنّ الإنسان ما دام منطلقه الأوّل مادّياً وأنّه سوف يضع قدمه في أوّل الطريق فإنّ وجوده وجود مادّي ولم يصر بعدُ وجوداً حقّانياً . والوجود الحقّاني هو الوجود الذي لا موضع للأنانية فيه ، فكلّه لله تعالى ، حيث لا يرى شيئاً في كلّ شيء سوى الله تعالى ؛ ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله وبعده ومعه « 1 » ، فلا يرى في الوجود إلّا الله والشيء الجميل الحسن ، ولا وجود للقبيح في نظره « 2 » . والإنسان السالك يسير في سفره الأوّل باتّجاه التخلّص من أنانيته وإنّيته ، وما دام هو في دائرة وحدود هذا السفر « من الخلق إلى الحقّ » فإنّ للأنانية صوتاً وللذات قدماً في مرتكز النفس . وحيث إنّ هذه النشأة المادّية هي نشأة الكثرة لا الوحدة ، ونشأة الغيبوبة ونشأة حركة التجافي ، حيث يعني الحركة فيه الخروج من القوّة إلى الفعل ، وأنّ كلّ جُزء لاحق لا يتحقّق إلّا بانعدام الجزء السابق ، فهي فضلًا عن كونها نشأة الكثرات الحاضرة بالفعل فإنّها نشأة الكثرة التي تغيب بعض أجزائها عن البعض الآخر . وهذا هو مُراد الحكماء من أنّ وجود الأشياء في عالم المادّة يكون بنحو تدريجي لا دفعي فإنّه - وفي ضوء ما تقدّم - سوف يكون الحاكم في هذه النشأة هو الكثرةُ لا الوحدة ، ولذا تجد السالك إلى الله تعالى في هذا السفر الأوّل يكون مُحتجباً عن الوحدة ، وهذا الحجاب ناشئ من الكثرة .
--> ( 1 ) مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية ، مصدر سابق : ص 22 . ( 2 ) انظر : التربية الروحية ، مصدر سابق : ص 90 .